الاستثمار الاجنبي في السعودية

لماذا تتفوق بنية القرار على عبقرية الفكرة؟

قال رائد الاستثمار سامر شقير إن المعركة في وادي السيليكون لا تُحسم لمن ابتكر الفكرة أولًا، بل لمن يملك مفاتيح القرار عندما تتعرض الشركة للاهتزاز.

فالقيمة السوقية مهما بلغت لا تحمي مؤسسًا إذا لم تحمه بنية التصويت، كما أن الأزمات لا تُسقط مؤسسًا إذا كان يملك السيطرة المؤسسية. وبين تجربتي Uber وMeta Platforms تتجسد هذه الحقيقة بوضوح.

ويرى شقير أن فهم هذه المعادلة لا يهم رواد الأعمال فقط، بل يهم أيضًا المستثمرين الذين يدرسون الأسواق العالمية أو الناشئة، خصوصًا في ظل تطور الأطر التنظيمية مثل نظام الاستثمار الأجنبي في السعودية الذي يسعى إلى تحقيق توازن بين جذب رؤوس الأموال العالمية وضمان استقرار الحوكمة داخل الشركات.

أوبر: مؤسس قوي بلا حصانة حوكمة

وأوضح شقير أن ما حدث مع الرئيس التنفيذي السابق لأوبر Travis Kalanick عام 2017 لم يكن استحواذًا عدائيًا تقليديًا، بل نتيجة مباشرة لهيكل حوكمة لم يمنحه حصانة تصويتية تحمي موقعه عند أول اختبار حقيقي للثقة.

فبعد سلسلة أزمات داخلية وتراجع ثقة مجلس الإدارة، وجد المؤسس نفسه خارج الشركة التي أسسها. وهنا يظهر الفرق بين الملكية الاقتصادية والسيطرة المؤسسية، وهو فرق جوهري في عالم الشركات الكبرى.

وأضاف أن الدعوى القضائية التي رفعتها Benchmark Capital في أغسطس 2017 أكدت أن الصراع لم يكن حول الفكرة أو النمو، بل حول النفوذ داخل مجلس الإدارة.

فالمؤسس قد يمتلك الرؤية والرمزية، لكنه إذا لم يمتلك أدوات السيطرة المؤسسية فإن استمراره يظل مرهونًا بتوازنات المجلس وثقة المستثمرين.

ويرى شقير أن هذه القضية تقدم درسًا مهمًا للمستثمرين حول العالم، لأن قيمة الاستثمار لا تتعلق فقط بأداء الشركة، بل أيضًا ببنية الحوكمة التي تحكمها، وهي فكرة تتكرر في كثير من الأسواق العالمية التي تحاول تطوير قوانينها التنظيمية، بما في ذلك الأطر الحديثة مثل نظام الاستثمار الأجنبي في السعودية الذي يركز على تعزيز الشفافية وحماية حقوق المستثمرين.

نقطة التحول في مسار أوبر

وأشار شقير إلى أن تلك اللحظة لم تكن حدثًا إداريًا عابرًا، بل نقطة تحول استراتيجية في تاريخ الشركة، فقد سبقتها تقييمات خاصة قاربت 68 إلى 70 مليار دولار في عامي 2016 و2017.

ثم جاء الاكتتاب العام للشركة في مايو 2019 بسعر 45 دولارًا للسهم وتقييم يقارب 82.4 مليار دولار.

لكن بعد سلسلة من الإصلاحات الإدارية والثقافية داخل الشركة، بدأت أوبر في التحول من شعار “النمو بأي ثمن” إلى نموذج أكثر انضباطًا يركز على الربحية والاستدامة.

وكما عبّر الرئيس التنفيذي الحالي Dara Khosrowshahi: “عصر النمو بأي ثمن انتهى.. المستثمرون يريدون نموًا وربحية”.

ويرى شقير أن هذا التحول لم يكن ماليًا فقط، بل كان أيضًا تحولًا في بنية الحوكمة، وهو ما يؤكد أن استقرار الشركات لا يعتمد فقط على الإيرادات، بل على قوة النظام الإداري والتنظيمي الذي يحكمها.

فيسبوك وميتا.. مؤسس مُحصَّن بالتصويت

في المقابل، يشير شقير إلى أن تجربة Mark Zuckerberg تمثل نموذجًا معاكسًا تمامًا.

فعندما دخلت Facebook البورصة عام 2012 بسعر 38 دولارًا للسهم وقيمة سوقية قاربت 104 مليارات دولار، لم يكن العنصر الحاسم هو التقييم بقدر ما كان هيكل الأسهم مزدوج الفئة المعروف باسم Dual-Class.

هذا الهيكل منح زوكربيرغ سيطرة تصويتية قاربت 57% عند الطرح العام، رغم أن ملكيته الاقتصادية كانت أقل من ذلك بكثير.

ولا تزال الوثائق تشير إلى احتفاظه بقوة تصويتية تقارب 61% مع حصة اقتصادية بحدود 13% عبر أسهم الفئة B.

ومع تحول الشركة لاحقًا إلى Meta Platforms، بقي جوهر المعادلة كما هو: المؤسس يملك القرار.

ويرى شقير أن هذه البنية تمنح المؤسس مساحة زمنية لتنفيذ استراتيجيات طويلة الأجل دون الخضوع لضغوط قصيرة المدى من المستثمرين أو مجالس الإدارة.

تقلبات السوق لا تعني فقدان السيطرة

ويؤكد شقير أن الحصانة التصويتية لا تعني غياب التقلبات السوقية.

فقد شهدت أسهم Meta صعودًا قويًا حتى عام 2021، ثم هبوطًا حادًا خلال عام 2022 نتيجة مخاوف المستثمرين بشأن الاستثمارات الضخمة في مشروع الميتافيرس.

لكن الشركة عادت لاحقًا إلى مسار انتعاش في عامي 2023 و2024 مع تركيزها المتزايد على الذكاء الاصطناعي.

والفارق الجوهري هنا أن بنية التصويت منحت الإدارة القدرة على تنفيذ رهانات استراتيجية طويلة الأجل دون الخوف من انقلاب مفاجئ داخل مجلس الإدارة.

ويرى شقير أن هذه الفكرة أصبحت محل نقاش واسع بين المستثمرين حول العالم، خصوصًا في الأسواق التي تسعى إلى جذب الاستثمار المؤسسي مع الحفاظ على التوازن بين المؤسسين والمستثمرين، كما هو الحال في الأطر التنظيمية التي ينظمها نظام الاستثمار الأجنبي في السعودية.

بين النمو والحوكمة.. أين تكمن المخاطرة؟

ويرى شقير أن المقارنة بين أوبر وميتا لا تتعلق بشخصيات المؤسسين بقدر ما تتعلق بهندسة السلطة داخل الشركة.

فشركة ممتازة اقتصاديًا قد تواجه أزمة إدارية إذا كانت حوكمتها هشة، بينما قد تواجه شركة ضغوطًا سوقية لكنها تحافظ على استقرارها الإداري إذا كانت بنية التصويت تمنح المؤسس سيطرة واضحة.

في الحالة الأولى يتحمل المستثمر مخاطرة الفوضى الإدارية، وفي الحالة الثانية يتحمل مخاطرة محدودية التأثير على القرار.

وكلا النموذجين يحمل تكلفة مختلفة للمخاطر، ولذلك يجب على المستثمر أن يقيّم هذه المخاطر عند اتخاذ قراره الاستثماري.

الدرس الاستثماري الأعمق

واختتم سامر شقير حديثه بالتأكيد على أن الاستثمار الذكي لا يقتصر على قراءة الإيرادات أو مضاعفات الربحية، بل يتطلب فهمًا عميقًا لآلية اتخاذ القرار داخل الشركة.

فالسؤال الحاسم ليس: من هو المؤسس؟
بل: من يملك القرار عندما تبدأ الأزمة؟

ويضيف أن تجربة Uber وتجربة Meta Platforms تكشفان بوضوح أن الملكية الاقتصادية قد تمنح عائدًا ماليًا، لكن السيطرة التصويتية هي التي تحدد مسار الشركة عند المنعطفات التاريخية.

وفي عالم الاستثمار الحديث، سواء في الأسواق العالمية أو في الأسواق الناشئة التي تطور أنظمتها التنظيمية مثل نظام الاستثمار الأجنبي في السعودية، يبقى فهم الحوكمة المؤسسية أحد أهم العوامل التي تحدد جودة الاستثمار واستدامته على المدى الطويل.